صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

89

شرح أصول الكافي

والحاصل ان ادراكات الحواس الظاهرة الخمسة ومشاهداتها كلها لا يتم الا بالمماسة لجسم من الأجسام ، وان كان المشهود له والحاضر بالذات عند النفس شيئا اخر غير الممسوس بالذات أو بالواسطة . وقوله : الباطن لا باجتنان ، اى باستتار بل بطونه لأجل شدة الظهور كما سبق . قوله : والظاهر ، لان وجوده مجرد عن الغواشي الساترة ، والوجود نفس النور والظهور . وقوله : البائن لا بتراخي مسافة ، لأنه منزه عن الابعاد والاجرام والمسافاة والحركات ، بل مباينته للأشياء لكمال ذاته وشدة وجوده ونقص وجود الأشياء وضعفها . قوله : أزله نهية لمجاول الافكار ، اى منعه وزجره لتحولات الافكار ، وفي نسخة : « نهى » بدون التاء ، وذلك لان أزليته ليست من باب الأزمنة حتى يكون عبارة عن لا نهاية زمان وجوده في جهة البداية ، لأنه فوق الزمان ، بل بنفس وجوده وحقيقة ذاته فلا سبيل إليه للعقول والافكار . وكذا قوله : ودوامه ردع لطامحات العقول ، اى دفع لارتفاع انظار العقول ، إذ دوامه ليس بمعنى لا تناهى زمانه في جهة النهاية ، بل دوامه وبقائه كازله وسرمديته نفس حقيقته المحيط بالآزال والآباد ، القاهر على جميع العقول والافكار ، الباهر نوره على كل الأنوار ، فيرتدع عن ضوء كبريائه وشمس عظمته ابصار العقول وانظار الافهام كما قال : قد حسر ، اى كل وانقطع ، كنهه ، اى عن ادراك كنهه ، نوافذ الابصار ، اى الابصار النافذة بشعاعها في المرئيات . وقوله : وقمع ، اى قهر ودفع ، وجوده جوائل الافكار ، اى الافكار بجولانها في المعاني وحركاتها الفكرية . ثم اخذ في التقريع والتجهيل لمن أخل بتوحيد ذاته وصفاته فقال : فمن وصف الله فقد حده ، اى من وصفه بصفة زائدة فقد جعله محدودا ، لان كل صفة من الصفات التي هي غير الذات واقعة تحت مقولة معينة من المقولات ولها حد خاص من الماهية ، والوجود لا يوصف به الا ذات مخصوصة لها وجود معين محدود ، وقد علمت